رواية البراني.. نبوءة تتحقق

رواية البراني.. نبوءة تتحقق

إطار

أ. أحمد ولد إسلم

·      كاتب روائي وصحفي حاصل على درجة الإجازة في الإعلام التلفزيوني من جامعة عنابة الجزائرية

·      يعمل رئيس تحرير نشرات بقناة الجزيرة الإخبارية منذ العام 2015

·      عمل بعدة قنوات دولية من بينها: العربية - روسيا اليوم - قناة الآن

·      على مستوى الإعلام المحلي عمل صحفيا بإذاعة موريتانيا وهو أول رئيس تحرير لوكالة نواكشوط للأنباء

·      عمل سكرتير تحرير بوكالة الأخبار الموريتانية المستقلة

·      نشر عملين روائيين: حياة مثقوبة - البراني

·      نشر أكثر من ثلاثين قصة منذ العام 2008 وصدرت له مجموعة قصصية بعنوان: تذكار الماضي

·      ترجمت أعماله إلى عدة لغات وتدرس بعض قصصه في جامعات مختلفة

أحمد سيدي

مع إتاحة استعمال دردشة جي بي تي (
JPT) لعموم "المستخدمين" واكتشافهم لإمكانيات نماذج الذكاء الاصطناعي، وتنافس كبريات شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون "Silicon Valley" على بناء نظم وأدوات الذكاء الاصطناعي، خرجت كل المخاوف المتعلقة بتمردّ الآلة إلى العلن. وزاد من عمق هذه المخاوف، إعراب بعض مطوري تلك الأدوات التقنية، عن قلقهم إزاء إمكانياتها التي تتطور بسرعة فائقة، وهو ذات القلق الذي عبّر عنه كبار المسؤولين في الدول والهيئات الأممية المختلفة، بدءا من رأس هرم السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، إلى الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، وغيرهما من الزعماء والمفكرين والسياسيين. 

وأنا أتابع كرة الثلج هذه بحكم طبيعة عملي، ولاهتمامي بتأثير الذكاء الاصطناعي على مهنة الصحافة، تذكرت رواية البراني للكاتب المبدع والصحفي الرصين، صديقي أحمد ولد إسلم، وهي الرواية التي تناولت هذا الموضوع بأسلوب جمع بين لغة التراث ولغة البرمجة، وهما عالمان مختلفان تمام الاختلاف، فكانت هذه الدردشة.

- من هو أحمد ولد إسلم.. وكيف بدأت علاقته بالكتابة؟

أحمد ولد إسلم:

صحفي وأفضل أن أقول إني مشروع كاتب، من مدينة النعمة كانت بدايتي، خلال السنة الخامسة ابتدائية كان معلمي يختار إنشائي لعرضه على التلاميذ بوصفه نموذجا للإنشاء الجيد، -ودعني أنتهز هذه الفرصة لشكره والإشادة به والبحث عنه، فقد كان معلما في المدرسة رقم 3 في النعمة بين سنوات 1994 و1996 وكل ما أذكر أن اسمه كان محمد فاضل وما زالت أبحث عنه.

ذلك التشجيع كان بداية علاقتي بالكتابة، ومنذئذ وأنا أجد متعة حقيقية في هذا الفعل المقاوم لرتابة الحياة.

مع بداية المرحلة الثانوية تعزز هذا الشغف، وزادت علاقتي بالقراءة مع تنويع المصادر، ثم إني أجد متعة كبيرة في الاستماع إلى الحكايات، منذ كان الأطفال يتحلقون ليلا للاستماع إلى قصص جحا وقصص ألف ليلة وليلة بنسختها الحسانية.

ومع العمل في مجال الصحافة صارت الكتابة تفصيلا يوميا في حياتي، وأجد فيها المتعة الكبرى، وأعتبرها ملاذي الآمن من سطوة المشاغل اليومية.

أحمد سيدي

- صدر لك حتى الآن مجموعة قصصية وروايتان.. وهناك عمل قادم في الطريق، ما هي العوامل المشتركة بين كل هذه الإصدارات وهل لديك مشروع واضح المعالم؟

أحمد ولد إسلم:

يمكن القول إن الإصدار الأول "انتظار الماضي" كان مجرد تجميع لعدد من القصص القصيرة المختلفة في مضامينها وأماكن وأزمنة كتابتها، ربما كان الخيط الناظم لها خفيا في فكرة اشتمالها كلها على انتظار شيء ما، حب أو نجاح أو عودة من اغتراب.. أو تغيير سياسي.. لكنها لم تخل من هم المغترب المشتاق إلى ما يظنه وطنا.

ربما يشترك "انتظار الماضي" مع روايتي "حياة مثقوبة " و"البراني" في هذه الجزئية، وكذلك في الخروج من العالم الضيق للكتابة عن واقع موريتانيا، فعادة ما يفضل بعض الكتاب المبتدئين أمثالي البقاء في محيطهم المألوف ثقافيا واجتماعيا.

لكن بحكم غربتي في دول عربية وأوروبية لأكثر من عشرين سنة، ومعايشتي ثقافات مختلفة جاءت كتاباتي موريتانية بنكهة الاغتراب الكاشف، من دون الانسلاخ من الهوية، لذا اعتمدت المزج بين هذه العوالم.

منذ السطر الأول في "حياة مثقوبة" حاولت دخول عالم الخيالي العلمي، وهو مجال جديد غير مطروق كثيرا في الأدب الموريتاني، وساعدني شغفي بالقراءة في جديد التكنولوجيا ومتابعة أخبار تطورها بحكم عملي على اكتساب القدرة على اختلاق عوالم لم توجد بعد، لكنّ وجودها أمر غير مستحيل.

أحمد ولد إسلم

- في ظل ثورة دردشة الجي بي تي، وثورة ما بات يعرف مؤخرا بالذكاء الاصطناعي التوليدي، عاد كثير من القراء إلى رواية البراني بوصفها واحدة من الأعمال الأدبية التي تناولت هذا الموضوع قبل فترة.. من أين جاءت فكرة هذه الرواية؟

أحمد ولد إسلم:

عندما أنهيت رواية البراني منتصف 2019 لم يكن أل جي بي تي قد ولد حينها، وبعد اكتمالها بعام ونصف، نشرت مجلة "الغارديان" البريطانية أول مقال كتبته النسخة التجريبية للبرنامج في سبتمبر 2020.

قرأت المقال حينها يوم صدوره وتواصلت مع الناشر، وطلبت منه الإسراع في نشر الرواية بعدما كنت غير مستعجل نظرا لصدور رواية حياة مثقوبة قبل ذلك بأشهر قليلة.

تحدثت حينها مع الأصدقاء الذين قرأوا مسودة البراني ورأينا أن تأجيل نشرها سيجعل الخيال الهندسي يسبق الخيال الأدبي. طبعا كثير مما ورد في البراني لم يحصل بعد لكنه، قابل للحدوث -نظريا- في أي لحظة. فقد تنبأت رواية البراني بتمرد الآلة على صانعها، وتطوير الروبوتات لنفسها، وهذه أمور حصلت فعلا وتحدث بشكل شبه يومي في عالم التكنولوجيا، وإن لم تصل بعد لدرجة تشكل خطرا على البشرية، فقبل أيام تحدث الإعلام عن طائرة مسيرة بالذكاء الاصطناعي تمردت على مشغلها وأطلقت النار عليه، ولحسن الحظ لم يكن إنسانا بل مجسما آليا محاكيا للإنسان.



- تحدثت في روايتك البراني عن خطورة الذكاء الاصطناعي وآثاره التدميرية.. وهو ما بتنا نقرؤه ونشاهده مؤخرا بانتظام. هل كنت تعلم بأن الذكاء الاصطناعي سيصل إلى هذا المستوى؟

أحمد ولد إسلم:

دور الكاتب في كثير من الأحيان هو التنبؤ، سواء عبر مخيلته أو استقراء المستقبل، وهكذا كانت البراني عملا فريدا في تلك الناحية، فقد كتبتها منتصف عام 2019 أي قبل كل تلك الثورة التي حدثت في مجال تشات جي بي تي وغيره. ويقينا كانت لدي مخاوف عدة من فكرة التوحش التي وصل إليها الذكاء الاصطناعي وهو ما أثبته العلماء الآن كما أسلفت.

وأي متابع للتطور التقني لا يمكن أن يتجاهل تلك المخاوف. ولعل الخطر الأكبر بالنسبة لي هو الاعتماد على هذه البرامج في اتخاذ قرارات ذات بعد أخلاقي في مجال العمل والصحة والتعليم، وكذلك خطر انتهاك الخصوصية الإنسانية، فمن المعلوم أن هذه البرامج تتغذى على المعطيات والبيانات المقدمة إليها، وكلما كانت البيانات أكثر، كان الخطر على الخصوصية أكبر.

- رواية البراني خليط بين لغة التراث الحساني متمثلا في الموسيقى الموريتانية التقليدية، ولغة البرمجة.. كيف استطعت المزج بين هذين العالمين المتناقضين؟

أحمد ولد إسلم:

أردت من خلال هذا المزج لفت الانتباه إلى الموسيقى الموريتانية باعتبارها موروثا فريدا وغنيا ولم يحظ بأي شهرة تذكر خارج نطاق تداوله في الفضاء الحساني. وقد نجحت في الأمر إلى حد كبير، بجعل كثير من القراء غير الموريتانيين يبحثون عن هذا الموروث ويكتشفون اختلافه.

ومن أكثر لحظاتي سعادة حين يراسلني قارئ أجنبي ليقول إنه اكتشف الموسيقى الموريتانية من خلال إحدى روايتي. وأتمنى بهذه المناسبة من الجهات الرسمية أرشفة الإنتاج الموسيقي الموريتاني، وإتاحته في منصة رسمية تحفظه من الضياع وتضمن استمرار تألقه.

- ما تقييمك لواقع الرواية الموريتانية.. وهل ترى أنها أضحت رافدا مهما من روافد الثقافة الموريتانية؟

أحمد ولد إسلم:

خلال العقود الأربعة من عمر الرواية الموريتانية لم تخرج عن سياقها المحلي سردا وتتبعا وتحليلا، ولا تخلو فيها رواية من إثارة إشكالات العرق والعبودية والطبقية الاجتماعية، كما يندر أن تمر رواية لا يرد فيها ذكر المحاظر بوصفها الحاضنة الثقافية للعلوم اللغوية والدينية، وتجمع بين معظمها الاستعراضية اللغوية، التي تكرس الصورة الذهنية عن المجتمع الموريتاني بوصفه حارسا على ثغر اللغة العربية في الغرب الإفريقي. مع استثناء عناوين قليلة جدا من ذلك.

 ويمكن القول إن عام 2020 كان عام ذروة الاعتراف بالإنتاج السردي الموريتاني، فقد اعتلى ثلاثة موريتانيين منصات التتويج العربية، ففاز الكاتب محمد فاضل ولد عبد اللطيف بجائزة نجيب محفوظ للرواية في مصر، عن روايته "كتاب الردة"، ثم توج الكاتب الدكتور الشيخ أحمد ولد البان بجائزة كتارا للرواية العربية عن روايته الأولى "وادي الحطب". وختم العام بتتويج الشاعر المختار السالم ولد أحمد سالم بجائزة شنقيط للآداب عن روايته "الدابة" وكانت المرة الأولى التي تمنح فيها هذه الجائزة لهذا الصنف الأدبي، معطية بذلك إشارة الانطلاق للكتابة السردية في سباق البحث عن مكان في مجتمع ارتبط بالشعر حتى أطلق عليه إعلاميا شعب "بلاد المليون شاعر".

 وخلال الأعوام الثلاثة اللاحقة توالت النجاحات وزاد إقبال كتاب كانوا منشغلين بمجالات أدبية وعلمية أخرى على عالم الرواية.. وغالب الظن أن هذا المسار سيكمل طريقه إلى أن تكون الرواية الصنف الأدبي الأكثر قراءة وإنتاجا في موريتانيا، متجاوزا الشعر بوصفه رمزا تعريفا إعلاميا للثقافة الموريتانية.

- القراء متشوقون.. متى يصدر عملكم القادم؟

أحمد ولد إسلم:

حتى الآن ليس هناك وقت محدد لصدور الرواية الجديدة ولكن أعد القراء بعمل يحمل كثيرا من التشويق..

 

- كلمة أخيرة.

أحمد ولد إسلم:

أتمنى أن يتقلص الوقت الذي نقضيه على الأجهزة الإلكترونية ويزيد وقت القراءة والتواصل البشري.

 

 


تعليقات