في الثالث من شهر إبريل عام 2021، أطلقت منصة الأمالي أول مقطع فيديو
لها على فيسبوك ويوتيوب، لتنال بعد ذلك شهرة كبيرة تجاوزت حدود موريتانيا إلى
مختلف الدول والبلدان العربية، وصارت قبلة للمهتمين بالتراث واللغة في كل دول
العالم. وبعد عام تقريبا أطلقت الأمالي صفحتين جديدتين: الأولى على منصة تيك توك،
والثانية على تويتر، وفي هذه الفترة الوجيزة جدا، مقارنة بأعمار ملايين المنصات
الرقمية، المنتشرة على شبكات التواصل الاجتماعي، استطاعت صفحة الأمالي، أن تحقق من
النجاح والانتشار والشهرة، ما جعلها واحدة من أبرز المنصّات في مجالها، وتجاوز
مجموع عدد متابعيها على صفحاتها الأربع، 850 ألف متابع.
ولهذا النجاح أسباب عديدة، ليس أقلها أهمية شخصية القائم على هذه المنصة، الشاب محمد لغظف ولد أحمد، الذي ولد وتربى في العاصمة نواكشوط، وتدرج في مراحل
التعليم النظامي، إلى أن نال درجة الماستر في الجيولوجيا التطبيقية، ومع ذلك لم
يهمل العناية بتراثه ولغته، كما فعل كثير من أبناء جيله وبيئته.. فمعروف عن أبناء
العاصمة نواكشوط، أنهم أكثر إقبالا على التعليم النظامي، وأقل عناية بالمحظرة
وعلومها، مقارنة بأبناء الحواضر والقرى الممتدة على عموم التراب الموريتاني.
كان والد محمد لغظف رحمه الله، يحب اللغة العربية، ويقدر أهلها، وكان
يلقنه الشعر في صباه، فكبر هذا الاهتمام باللغة مع محمد لغظف، وكان دافعا له في
الاستزادة من علومها، والبحث عن أسرارها وكنوزها. يقول محمد لغظف متحدثا عن فكرة
الأمالي والهدف من إنشائها: اقترح علي أخوان عزيزان –يحسنان الظن بي- إنشاء صفحة
مهتمة باللغة العربية وعلومها، فصادف الأمر رغبة سابقة لدي، وهي صناعة محتوى يسعى
لتحبيب اللغة العربية للناس، وتدريس آدابها وعلومها. وقد كنتُ شديد التأثر في صباي
بكتاب الأمالي لأبي علي القالي، فاخترت هذا الاسم للمنصة، تيمنا باسم كتاب أبي
علي. وهو اسم عُنوِنَ به كثير من الكتب، مثل: أمالي ابن دريد، وأمالي الزجاجي، وأمالي
ابن الشجري.
وحول سرّ نجاح الأمالي فيعتقد محمد لغظف أنه يرجع لعدة أسباب، من
بينها:
- الاستمرار، إذْ لم
يحصل انقطاع في إعداد الحلقات، منذ إطلاق المنصة قبل سنتين، وقد وصلت الآن إلى
الحلقة 24 من الموسم الثالث.
- العمل على أكثر
من منصة، حيث حرص محمد لغظف على أن يكون للأمالي وجود على الفيس وتويتر ويوتيوب
وتيك توك، فصار للأمالي متابعون مستقلون على كل منصة.
- التحضير لمحتوى
الحلقة واعتماد المصادر الموثوقة، فقد تتطلب الحلقة الواحدة -بحسب محمد لغظف- النظر
في أكثر من سبعة كتب أحيانا.
- اختيار الفصحى،
حيث اعتاد المؤثر الموريتاني أن يخاطب الناطقين بالحسانية، فاخترتُ الفصحى موسِّعا
دائرة المتلقين من مئات الآلاف إلى مئات الملايين، ويوجد فرق كبير بين الأمرين.
ومع كل هذا الزخم والنجاح.. ما زال محمد لغظف يطمح إلى أن يزيد تأثير الأمالي ومتابعوها، فما تحقق حتى الآن في نظره، هو جزء من المشروع فقط، وينتظر المنصة الكثير من العمل المتواصل، ويمكنها أن تحقق المزيد من النجاح.
وبخصوص أكثر المقاطع جذبا للتفاعل والمشاهدة على المنصة، يقول محمد
لعظف: "المقاطع التي تنتقد تهميش العربية وتحقيرها دائما تحصل على مشاهدات
جيدة، وكذلك المقاطع التي تحدثت فيها عن الحداثة والمسلسلات. وتوجد موضوعات أخرى
محببة للمتابعين كأمثال العرب، وحلقات الأنساب، وحلقات أيام العرب، ومن حين لآخر
أنشر حلقة في غير هذه المواضيع، فتحصل على مشاهدات مرتفعة، كحلقة فؤاد بليبل وحلقة
بشار بن برد. المواضيع المثيرة للجدل مهمة من حين لآخر لتنشيط الصفحة وزيادة
متابعيها وخلق نقاش عام (كموضوع الحداثة والمسلسلات وغيرهما). لكن الإكثار من تلك
المواضيع سيصنّف الصفحة في خانة المنصات المثيرة للجدل، والباحثة عن أي تفاعل بأي
وسيلة، وكما يقال: "مَن أكثرَ من شيء عُرِفَ به". فالرأي عندي أن تستمر
الصفحة في إعداد الحلقات في اللغة والأدب العربي وأعلامه وتثقيف الناس في ذلك،
وبالتوازي يمكن أن أتطرق كل شهر أو شهرين لموضوع مثير للجدل، لإثارة النقاش وإنعاش
الصفحة. طبعا مع الترحيب بالآراء المخالفة ونشرها على الصفحة لكي يختار المتلقّي
ما يناسبه"
وحول الانطباع العام لدى المتابع العربي عن موريتانيا، واهتمام أبناء
شنقيط باللغة وعلومها، ودور منصة الأمالي في تعزيز، هذه الصورة لدى المتابعين من
دول مختلفة. يقول محمد لغظف: "يراسلني كثير من المتابعين من غير
الموريتانيين، من العرب ومن غيرهم، يريدون زيارة موريتانيا لتعلم العربية.. طبعا
أحاول أن أقول لهم إن الصورة النمطية لديهم عن موريتانيا ليست دقيقة، وقد بينتُ
ذلك في أحد المقاطع، لكن كما يقول المصريون: السمعة سابقة.
القلة القليلة من الشباب الموريتاني ما زال معتنيا بتراث المحظرة
وعلومها، ويوجد الكثير من الشباب الذي يحب أن يتمسك بتراث الأجداد وأمجاد المحظرة،
ولكن تمنعه مشاغل الحياة وظروفها.
ورغم كونها منصة مهتمة بالأدب العربي وعلوم اللغة، إلا أن الأمالي
تتهم بعدم الانفتاح على الأجناس والأساليب الأدبية الحديثة، وقلة الاهتمام بكبار
الأدباء المعاصرين، وفي تعليقه على ذلك يقول محمد لغظف: كانت وجهة نظري حول الأدب
الحداثي متطرّفة على رأي بعض المتابعين، لكن لا بد من بعض التطرف كي يحصل جدال
ونقاش، فكما تعلمون غلبتْ على أهل الأدب في عصرنا هذا المجاملات والإطراء المتكلف.
ينبغي أن يتعارك أهل الأدب ويتشاتموا، فبمعاركهم يحصل التثقيف. أما الأدباء
المعاصرون فقد خصصت لهم أكثر من حلقة، كحلقة فؤاد بليبل وحلقة عمر أبو ريشة وحلقة
أدباء مصر، ومازال المزيد من الحلقات في الطريق إن شاء الله.
وحول الخطط المستقبلية لتطوير منصة الأمالي والمحافظة على مستوى الانتشار الذي وصلت إليه، يرى محمد لغظف أنه لابد من الاستمرار والصبر عليه. ويؤكد سعيه لإيجاد رعاية تجعله متفرغا لصناعة المحتوى، كي يتمكن من تطوير الأمالي وتخصيص وقت أكبر لها.



تعليقات
إرسال تعليق