الشاعر أبّي ولد بلا.. فرادة الأسلوب وشهرة النصوص


في هذا المقال نبذة عن حياة الشاعر أبي ولد بلا وأسلوبه الأدبي ونماذج من أهم نصوصه وأشهرها ويتناول المقال مراحل مهمة من حياته الأدبية

"من أهم خصائص أدبه السلاسة، وأنه لا ينتج نصا إلا بعد أن يؤسسه على نكتة هي السر في سرعة تلقف السامعين له، وهي ما يميزه عن غيره من أدباء عصره، ومن أمثلة ذلك نص الجامع ونص الكرنه"

هكذا وصف الأستاذ محمدن ولد أميه أدب ولد بلّا.. وهو العارف به وبأدبه، ولكن قبل الحديث عن خصائص ومميزات شعر صاحبنا، دعني أعود معك عزيزي القارئ إلى مبتدأ الحكاية.

"
أبّي ولد بلّا.. ميلاد شاعر

طلبا للماء والكلأ، اعتادت معظم القبائل الموريتانية التنقل من مكان لآخر حسب الموسم.. فأول قطرة ماء تنزل في بداية فصل الخريف، تجمع بعدها عشيرة ولد بلّا أمتعتها مغادرة شمالا إلى مشارف نواكشوط، وهناك يستقرّ بها المقام في منطقة "انتيدبان" إلى انقضاء فصليْ الخريف والشتاء.. حينها تُطوى الأمتعة من جديد، وتُشد الرحال باتجاه الجنوب، وتحديدا إلى منطقة "لبظيّات" قرب كرمسين، حيث يستقر الحيّ إلى أن يأتي الخريف معلنا بداية "موسم الهجرة إلى الشمال".

في هذا المقال نبذة عن حياة الشاعر أبي ولد بلا وأسلوبه الأدبي ونماذج من أهم نصوصه وأشهرها ويتناول المقال مراحل مهمة من حياته الأدبية
الشاعر أبي ولد بلّا

في إحدى هذه الرحلات التي استمرت عقودا طويلة، ولد الشاعر الكبير أبّي ولد بلاّ، على بعد 66 كلم/ جنوب نواكشوط.. كان ذلك عام 1947، وكانت تلك بداية رحلة أدبية مترعة بالتميز والإبداع.

لم يعرف لعائلة أبّي اهتمام بالشعر الحسّاني، لكنه مع ذلك تربّى في وسط أدبي، إذ كان صديقا لعدد من الأدباء الكبار من أمثال: باب ولد هدار، وعبد الله السالم ولد المعلى، ومحمد ولد سيدي يعرف، ومحمدن ولد أميه، والمختار والباشا أبناء مولاي أعل.

"
بدايات مبهرة

كان العميد محمدن ولد سيد إبراهيم يطلق على ولد بلّا وأضرابه لقب "الجدد" أي حديثي الاهتمام بالأدب، وكان يرى أنهم ليسوا قادرين على المجيء بمعنى جديد، إذ لم يترك جيل الرواد الأوائل معنى ما طرقوه، وحسب المحدثين أن يقلدوا الرعيل الأول، فـ"ليس بالإمكان أبدع مما كان"

ولكنّ أبّي دفع العميد إلى تغيير رأيه.. فقد اقتبس فكرة من مشهد جرى أمام ناظرَيْه ذات أصيل، حيث مرت به سيدة تضع قلادة من الذهب، تسمى في إحدى مناطق البلاد بـ "الصربة" فقال:

درتي يامس يزهو العين :: كدام اصحاباتك صرعين
ودرتي ليّ ول ثنتين :: ومن ذاك انفكعُ مسكينات
مخلّ لصراع ازوينين :: وازيّن من ذاك الليات
وجيتي عندك "صربة" من غد :: اللصحابات المنفكعات
ولا ذ حالت صربة بعد :: ما فيها مرظ لصحبات

حدثني أبّي أنه لما كتب هذه "الطلعة" أتى بها إلى العميد وقال له: إن وجدتَ من بين شعراء الرعيل الأول من أتى بمعنى كهذا فسأشتري لك "دراعة" من أجود نوع، فأطرق العميد قليلا ثم قال: سأنظر في بعض المراجع وأرد عليك. فذهب صاحبنا وعاد بعد أيام، فقال له العميد بطرافته المعهودة: "دراعتك مانك عاطيه وتوف".

"
تجنب الأضواء

يرى الأستاذ محمدن ولد أميه أن أبِّي ولد بلاّ يمتاز عن غيره من الشعراء بمميزات أولها أنه لا يحب الظهور ولا يبحث عنه، بل تشغل ممارسة التجارة من وقته أكثر مما يشغلُ الأدب، ولكنّ شعره مع ذلك قد انتشر، فلا يقول نصا إلا تناقلته الألسن سريعا، وكثيرا ما يروى دون أن ينسب إليه، ومن مميزاته أيضا أنه الأديب الذي إذا لقيته عرفت من خلال أخلاقه ومعرفته بالأدب أنه هو من كنت تقرأ له فعلا، فلا نشاز بين شخصه ونصوصه الأدبية.

في عام 1970 كان لدى صاحبنا دكان قرب مركز العيادات المجمّعة "كلينك" وكان له جار يعمل في مدينة "كجوجت" وفيها يمضي أغلب وقته، وفي أحد الأيام جاءه الجارُ رفقة زوجته، وطلب منه أن يمنحها ما تحتاج إليه من الدكان في غيابه، على أن يسدد له ذلك الدين حين يعود، وقد التزم ولد بلّا بذلك، لجمال المرأة أولا، وللوعد الذي قطعه على نفسه ثانيا.. لكنّ الرجل كان يعترض على كثير مما يجده مدوّنا في دفتر الدين، بحجة أنه ليس من الضروريات التي يجب تعطى لزوجته، فخلّد صاحبنا القصة في هذه القطعة الشهيرة:

من عند ذ المنهَ ممكون :: تكبظ دين أعليهَ مضمون
وصاحبهَ نسّايْ ومجنون :: ومن ذوك ألّ فيهم حرنه
وكايلُّ عن صاحبته دون :: سابك ما صكك ونكرنَ
عن فيهَ ش في الكرنة هون :: وفيهَ شي ماهو في الكرنة

ويقول مستخدما أسلوب التورية الذي يشيع كثيرا في أدبه، وتنبني عليه فِكَر العديد من نصوصه:

الدشرة عادت مغزية :: غازيها خلق البادية
والبادية عادت هي :: لخره مغزية مسكينة
وانتج ذ مشكيلة حية :: للخلطة لثنين امتينة
والكبّات ألا ذيكي :: مشكيلة تنزاد اعلينَ
عت أتر كبه فالدشرة :: شينة، واتر بينَ بينَ
واعييت املِّ زاد أترَ :: كبة فيه ما هي شينة

سافر أبّي إلى السنغال للعمل في التجارة، وكانت الجارة الجنوبية في ذلك الوقت وجهة مفضلة لكثير من الأفراد والعائلات الموريتانية، وهناك عاش ربيع العمر، لكنّ عجلة الزمن دارت دورتها المألوفة، فغيرت واقع الأرض والإنسان، وكانت أحداث التسفير عام 1989، كفيلة بإحالة كل لحظة سعيدة إلى ذكرى خُطّت على صفحة أثيرة من صفحات زمن لن يعود.. فكتب شاعرنا واصفا ذلك الفراغ المخيف:

يالعكل احرصت أتبان اليوم :: أعل دمعك فديار آكوم
الثنتين، ودار التيــــدوم :: اعليه احرصت، أخير اطليص
الدمع، اكريدك لُ مشؤوم :: وهذا من كلت كاع انكيص
الدمعة ذ اليوم فعموم :: أديارك يكعلِ عويص
يغير أعكبت فدار الواد :: لكبير الساحل كدية كيص
امش دمعك فر، ؤلَ زاد :: يزكل ياسر ماهو لحريص

"
شاعر الغزل الرقيق

يرى الأديب النبهاني ولد أمغر أن أبّي ولد بلاّ اهتدى لمسالك وطرق إبداعية فريدة، وسارت نصوصه المكتنزة جمالا وتصويرا وإيحاء فبلغت كل مكان، ويمكن وصفه حسب ولد أمغر بشاعر الغزل الرقيق، فمعظم ما كتبه في المراحل الأولى من عمره الأدبي، يؤكد ذلك، وفي شعره ملامح من شعر ابن أبي ربيعة، في تلك المرحلة، ولا يخفى ذلك النفس الأندلسي الوصفي الغزلي الذي يعبق به شعره، فهو كذلك أندلسي الشعر الحساني.

لفتني فيما ذكره ولد أمغر تقسيمه لتجربة أبّي الأدبية إلى مراحل.. وهو تقسيم دقيق جدا، فالمتتبع لأدب ولد بلّا، يلاحظ اختلافات أسلوبية بين ما كتبه في مرحلة الشباب، وما كتبه بعد ذلك، وتحديدا في المرحلة الثانية من شعره، التي تتسم حسب تعبير النبهاني بالجنوح إلى أسلوب يعتمد الكناية الجميلة، ويبتعد عن المباشرة، وهي المرحلة التي كتب فيها نص "الجامع" الذي ظاهره جمعة وجماعة وجامع، وباطنه غزل وشوق.. يقول:

فرض اصلاة الجمعة معروف :: وآمر بيه الحي الرؤوف
حد اعليه الحك وقت وتوف :: ذاك ايجِ في الجامع شامع
كون منادم عذرو مشيوف :: أعمى ول ماه سامع
ول حد أعجز عن لوكوف :: ذ مات في الجامع طامع
يغير ألّ ماهو مقيس :: ألا حد ايشوف وسامع
واحذ جامع وايكد ايكيس :: الجامع ما كاس الجامع

ظاهر هذا النص حديث عن الجمعة والجامع كما تقدّم، ولكنّ صاحبنا يريد بالجامع قرية على الطريق الرابط بين تكنت وروصو، فقد كان في فترة من عمره كثير التردد على ذلك المكان، ولكنّ ظروفه الشخصية والاجتماعية لم تعد تسمح له بذلك، فصار يمرّ بـ"الجامع" جيئة وذهابا دون توقف، فكتب هذه القطعة التي استخدم فيها تورية بديعة.

وفي السياق ذاته والمرحلة الأدبية عينها، يأتي نص "انجبق" ويأتي كذلك في المستوى نفسه من الجودة والانتشار والشهرة، رغم أنه لا يكاد اثنان يتفقان على نسبته إلى شاعر بعينه، ولو لم أكن سمعته منه مباشرة، وحدثني بقصته، ما كنت ضممته إلى هذه الورقة.. يقول:

تاسدبيتي من عند :: الدشرة متفكد
عني خظت اعل غرد :: انجبق لصفرار
ومشيت وكنت انكد :: نكلع ليله ونهار
يلال مثقل حد :: مات مخصور اخبار

"
الرثاء في أدب ولد بلاّ

عُرف ولد بلّا بإجادته لقرض الشعر في مختلف بحور وأغراض الشعر الحساني، لكنه لا يخفي ولعه ببت لبير، فهو أقرب البحور إليه، وقد كتب فيه العديد من النصوص ومنها نصوص رثائية بديعة. ويرى الأديب النبهاني، أن رثائيات ولد بلا قد تأثرت برقة شعره الغزلي وحدّة تصويره، فجاءت مكتملة الدلالة والتعبير ناطقة بالوجع.

وقد أنشد مرة واحدة من تلك المراثي في حضرة العلامة محمد سالم ولد عدود رحمه الله، فقال مشيدا بها: "هذه الطلعة ألا خبطات آسفل" أي أن كل مقطع من مقاطعها يأتي أقوى من سابقه. يقول في رثاء ادّي ولد ياباه:

موت ادّي إيل عات جات :: ماهي غريبة.. مات كات
ذمن لحباب الكط مات :: ومن لسلاف المعلومة
واخيار الناس الا اعيات :: تمشي مشي محتومة
ويل عادُ قبروه فات :: وندارت فوكو كومة
خالك بعد الما ينقبر :: ذ من حسنة مكتومة
وذمن كلتْ لي اظهر :: عن تعدال المكرومة

"
مساجلاته

خلال إقامة ولد بلا في السنغال، زاره باب ولد هدار وباباه ولد أبته رحمهما الله، وكانا صديقين له، فأكرم وفادتهما، ومدّهما بما يلزم للعودة إلى أرض الوطن، وبعد نحو أسبوع عاد إليه باب، ولما حان موعد الذهاب، أراد منه ما جرت به العادة والعرف بين الأصدقاء، فقال أبّي مازحا: لدي نقود و"كاف".. فاختر أيهما تريد، فضحك باب وقال له: أريد النقود، وقل بعد ذلك ما شئت من "بوسوير"، فأعطاه النقود وقال له:

النــاس ألبنهَ يالنختيـــر :: ياســـر لرات الحـلابه

ذيك التعرف لحليب أغير :: العـــلْ ايجبـــط يبابَ

وعقب لقاء آخر جمعهما في منطقة "نوامغار" قال له:

باب يسدر في الصيدات :: يغير امنين ألّ غرشِ

تكلع من تسدارُ كهلات :: أهل أبيجَ ما يبك شي

فقال بابَ:

كان أبي يبغي لعيات :: الزينات وعاطيهم شي

ويلَ مارَ ذوك الزينات :: كباظ أملّ بيملشِ

روى لي أبّي أنه كان مرة رفقة صديقه عابدين ولد التقي.. وكان حينها ولد التقي يستعد لإجراء امتحان شهادة ختم الدروس الإعدادية، فاقتنص ولد بلا تلك الفرصة ليدعوَ له بـ"النجاح":

نبغيلك بعد وفيهَ شــاحْ :: يعــــــــابدين أترَ لامه

أفذ لمتحان "النجاح" :: وعاكب ذاك أترَ "سلامة"

فردّ عابدين بالأسلوب نفسه:

غــــالبـــــــنَ يبّي يــدارَ :: جرّك فالســــــاحل لخزامة

ومستفصل عت "أفسنيارَ" :: ومستفصل عت "أفسكامَ"

وأختم هذه الفسحة الأدبية بكاف بديع أرسله لي ذات يوم:

مسك "أكريد" أوقت فيدي :: مجبورين اكبال

إيل عاد أحمد الْ سيدي :: فالدوحة مزال

فقلت له:

فالدوحة وذا لوملبّي :: في الحال ابذِ الحال

مخلّ ذ الكــاف يبّي :: مــا يشــــريه المال

 

المصادر

مقابلة مع الشاعر أبّي ولد بلا

مقابلة مع الأستاذ محمدن ولد أميه

مقابلة مع الأديب النبهاني ولد أمغر

تعليقات

  1. نستمتع دائما بمواضيعك وقراءاتك حفظك الله

    ردحذف

إرسال تعليق