مقدمة ديوان تيلفواتن
يحتل الشعر الحساني (لغن) مكانة بارزة في الثقافة الموريتانية، ويشغل
مساحة معتبرة في تقاليدنا المروية؛ فهو من أكثر الأجناس الأدبية تداولا، وأوسعها
انتشارا في الأوساط الاجتماعية؛ إنه ذاكرة المجتمع وسجله الحافل بمآثره التاريخية وذكرياته وهمومه وتطلعاته.
ورغم الحضور المشهود لهذا الجنس الأدبي في الحياة اليومية، وتعاطيه
من طرف الكثيرين فإنه لم ينل حظه من الدراسة بعد، ولم تقدم حوله قراءات نقدية
جادة، تبرز خصائصه الأسلوبية، وتحدد ميزاته الفنية، وأبعاده الجمالية؛ فأغلب
الآراء المقدمة عنه تتسم بالانطباعية، وتركز على التعريف بأوزانه العروضية، أو
تقارن بين معانيه ومعاني الشعر الفصيح للتدليل على بنوته له، مع أن لكل منهما ما
يميزه.
وجدير بالذكر أن هذا الأدب عرف دفعا قويا خلال العقدين الأخيرين؛
وكان مادة لبرامج مرئية ومسموعة، ونظمت حوله مسابقات، كما ابتعثت بعض أشكاله
القديمة، وظهرت محاولات للتجديد في أوزانه.
ولعل هذا الاهتمام بالشعر الحساني يعود إلى أسباب مختلفة؛ منها
التأكيد على الهوية في ظل العولمة والمد الجارف للثقافات الوافدة عبر وسائط
الاتصال السريعة، مما جعل الموريتاني يتشبث بموروثه الثقافي ويجتهد في الحفاظ
عليه.
تنظيم المسابقات الشعرية كـ (البداع)، مما شجع الشباب على الكشف عن
مواهبهم، وتقديم إنتاجهم للقراء، إضافة إلى ما وفرته وسائط التواصل الاجتماعي خاصة
الفيسبوك، من التعاطي مع جمهور المتلقين.
أسهمت هذه العوامل مجتمعة في ظهور العديد من الإصدارات الشعرية،
ومنها ديوان (تيفلواتن) للشاعر أحمد سيدي، أحد المهتمين بالشعر الشعبي والمنشغلين
بقضاياه، كما يظهر جليا من صفحته في الفضاء الافتراضي.
لقد التمس مني مشكورا تقديم هذا
العمل -وهو أمر ليس باليسير- فالشعر لا يحتاج ترجمانا ولا وسيطا؛ إنه لغة الأحاسيس
ونبض المشاعر، وفيض الإيحاءات، والشاعر سفير الكلمة وسيد الكلام، يشكل اللغة
بطريقته الخاصة، يدعوها فتطاوعه، وينفث فيها من روحه فتخرج على يديه خلقا فنيا
أثيرا، يمتع المتلقي، ويشيع في الكون نسغ الحياة.
بدءا يستوقفنا العنوان: (تيفلواتن)، فالكلمة ذات حمولة دلالية ثرية،
تخيرها الشاعر عتبة أولى للنص تفتحه مُشرعا على مفهوم لغن بمضامينه اللصيقة بالذات
البيظانية، الحافلة بشجونها ومشاغلها؛ المحملة بتاريخها، كما تحيل الكلمة إلى بعد
فني تليد، باعتبارها الوحدة الإيقاعية المعتمدة في الشعرالحساني، فعنها تصدر كل
أوزانه المختلفة، وأشكاله المعروفة من اطلع وكيفان واتهيدين.
لكأن الشاعر بانتقائه هذا العنوان يؤكد تمسكه بأصول لغن كما تواضع
عليها العارفون، ولذا اختار كلمة (تيفلواتن) عتبة أولى للديوان، ليضعنا أمام تجربة
إبداعية تقصد التنكير لتفيد التعميم، وتتوخى الاختزال لِتُوَلِّدَ الثراء.
تضمن الديوان نحو 150 نصاً؛ رتبت ترتيبا أبجديا حسب نوع الروي،
وانتظمتها مضامين استأثر الغزل بنصيب الأسد منها، تليه السجالات الإخوانية، فغرض
التوسل والتوحيد ثم المديح النبوي، ووردت بنسبة أقل أغراض كالترقيص والنسيب
والرثاء.
إن ديوان "تفلواتن" هو ديوان الحب بامتياز، استأثر الغزل
بأغلب قصائده ومثل مشغلا من مشاغله الإبداعية البارزة، وليس الشاعر بدعا في ذلك،
فهو الغرض الأثير لدى الشعراء، والافتتاحية المعتمدة في القصيدة
القديمة، "لأن التشبيب قريب من النفوس لائط بالقلوب، لما قد جعل الله في تركيب
العباد من محبة الغزل"، كما يقول ابن قتيبة.
فالشاعر يلجأ إلى أقنوم الخصب يستوحي منه المعاني ويستمد
الصور، فالأنثى تظل رمز الفتنة ومنبع الدفء والحنان، يتناسى الشاعر في رحابها
مواجع الحياة، وتلهمه فيستحضر بنات عبقر، وليست اللغة إلا اختصارا لعشقها، وتبتلا
في صومعتها تراتيل تلامس الوجدان وتعيد التوازن للذات في دنيا التحديات.
إن شاعرنا يحيا ربيع العمر، ويقيم خارج الوطن، وينعم برهافة الحس،
فليس منزعه الوجداني إلا تعبيرا عن ذلك الإحساس وتجسيدا لتلك الموهبة، وهو في
العديد من نصوصه يبدو عذري الهوى، عف المشاعر، يستعيض عن ذكر الجسد بتأثير الحب
فيأتي الحديث عن المحبوبة مكتسيا طابع الحذر، مغلفا بالإيماءات والتوريات:
ملك ول معــــاد :: أش ينفع فالتفكاد
أرخس فيه العراد :: من مادر في الشدّه
وامحـــالِ في عاد :: ذاك، وذاك اتـعــــدّ
للمعتــاد، المعتــاد :: زازُو مــــــاهـي ردَ
ولاكـــط وقـعـلِ زاد :: مــن حـد ولا حده
فالحبيبة بخيلة، ناكثة للعهد، لا تحترم وعدا ولا تمنح ودا، وهي صفات تؤكد صونها وعفتها مما يدعوه للتعلق بها أكثر.
ونجده أحيانا يتملى مكامن الحسن، ويرصد بدقة المنظر الذي استباه؛ قدا أهيفَ، وعيونا حوراءَ، وحديثا عذبا، يقول في وصف الثغر اللؤلئي الوضاء الذي فعل به الأفاعيل:
بشوي أژراك افسن :: الريم ألّ تمكن
ژدفتن غير أفطن :: من مذالِ نعرف
سابك تژدفن عن :: مفصول أفش يژدف
والطريف حقا أن الحديث عن الأنثى كان موضوعا لأغلب المساجلات بين
الشاعر وأصدقائه، فكل يتهم الآخر بعدم الوفاء لمن أحب، أو بأن الحبيبة صدته وفضلت
غيره.
غير أن عالم الجنس اللطيف لم يشغل الشاعر عن قضايا الوطن، فحمل هم بلده منتقدا الحالة الاجتماعية والسياسية بمرارة وحزن، مشخصا ما يسود فيه من فساد ومحاباة واستغلال للنفوذ:
إنه وصف دقيق لحالة الوطن في ظل حكم عسكري يتخذ من الانتهازيين ورجال الأعمال وزعماء القبائل بطانة تعبث بمقدرات الوطن دون حسيب ولا رقيب، وكلما داعب الأمل النفوس في تحسن الأوضاع سارت الأحوال إلى الأسوأ.
وتمتاز المدونة بإيقاع ثري، أظهر فيه الشاعر وفاءه لعروض الشعر
الحساني، فلم يسع إلى تجريب أوزان جديدة كما فعل آخرون، بل اختار الأوزان المطردة
الإيقاع، الراقصة النغم، خاصة لبتيت بنوعيه؛ فأغلب القصائد على وزنه، أما النصوص
المتبقية فتقاسمتها أوزان محدودة هي: حثو اجراد واسغير ولبير واحويويص.
وكما آثر الشاعر الغزل على غيره من الأغراض، فضل "لبتيت"
على ما سواه من الأوزان، وهو من أكثر أوزان الشعر الحساني رواجا، وأجملها إيقاعا،
ولذا أطلق العارفون على القصائد المتميزة منه "أمهات لبتيت" باعتبارها
النموذج الأعلى للقصيدة الشعبية، تماما كالمعلقات في الشعر الفصيح.
وقد اتسم الأسلوب بالرقة والانسيابية، فلدى شاعرنا معجمٌ شعري
ثريٌّ حافلٌ بالصور المُترعةِ بالنزوع إلى التجديد؛ ركز في بنائها على الكناية
والتورية بصفة خاصة، وجاء حواره مع النصوص غنيا متعدد المرجعيات؛ فحاور نصوصا
تراثية كثيرة منها الفصيح والشعبي، والقديم والمعاصر، ومن توظيفه الجيد للنصوص
قوله:
...وطب المغواس ألّ محكِ :: عنهَ وســـاتك مــاهبَّــاس
ألا كــــــابـــــون أل يــبـــكِ :: يالعكل أعل حيوان الناس
فهذا الكاف وثيق الصلة بأحد كيفان شور (انتاب كلبو ماهو هون):
أبكيت أعل طب المغواس :: البكي أل ماهو من دون
والبكي أعل حيوان الناس :: ذاك يواسيه ألا كـــــابون
ومن استدعائه النصوص كذلك قوله محاورا إسماعيل ول محمد يحظيه:
للمعتاد المعتاد :: زازُ ما هي ردّ
ولا كط وقعل زاد :: من حد ولا حده
وتحاور الكثير من قصائد الديوان النصوص الدينية والأمثلة الشعبية.
لقد قلب الشاعر الموازين في اختياراته المضمونية، فظلت الذات محور
حديثه، وكانت مشاغلها الأبرز في اختياراته؛ سواء كانت مشاغل عاطفية أو وطنية أو
إنسانية، ولذا تضيق مساحة المدح والرثاء في ديوانه، رغم تواترهما في مدونات الشعر
الحساني.
وختاما أقول؛ لقد قدم الشاعر تجربته الإبداعية في ثوب
باذخ مسكون بالهم الإنساني ومترع بالحب والجمال، منتقدا كل ما هو سيئ في الحياة من
مسلكيات وسياسات، وكان صادقا في عاطفته، مخلصا في تمسكه بوطنيته وإنسانيته، جسّد
تجربته في أسلوب رائق يتسم بالسلاسة والعفوية، ويوظف الكثير من العناصر الإيقاعية
الثرية، والأطياف الجماليَّة، والصور الغنية بالإحالات الاستعارية والنصية، وقد
حقق مزاوجة رائعة بين الأصالة والجدة، وحوارا ثريا مع النصوص بمرجعياتها
المختلفة.
الدكتورة: امباركة بنت البراء

تعليقات
إرسال تعليق