مقابلة مع جريدة الشعب التي تصدر عن وكالة الانباء الموريتانية حول مضامين روايتي الفائزة بجائزة الشارقة للإبداع العربي وهذا نص المقابلة.
الكاتب و الأديب أحمد سيدي الفائز بجائزة الشارقة للإبداع العربي في مقابلة مع الشعب
● الذيب رواية لا تستند إلى قصة واقعية، ولكنها تسير بمحاذاة الواقع.
● الرواية صورة إيجابية عن ثقافة البلد وعن حياة المجتمع، وتعرف القارئ العربي بهذا البلد القصي.
الرواية فن أدبي يعتمد على السرد يجد فيه الكاتب متسعا لعرض قضيته وحيزا يضيقه ويوسعه بلوغا لهدفه ولم تكن الرواية معروفة في الوسط الادبي المحلي الذي امتاز بالشعر اسلوبا و نغما ومؤخرا بدأ بعض الكتاب و الأدباء باختيار هذا الفن وجعله مطية في مضمار التميز فنالوا بذلك جوائز عديدة كان آخرهم الكاتب و الاديب أحمد ولد سيد الذي اختير لنيل جائزة الشارقة للإبداع العربي عن روايته الذئب و للحديث عن روايته وهذا الإنجاز قامت جريدة الشعب بلقائه فخصها بالمقابلة التالية
الشعب: بداية حبذا لو وضعتم رواية الذيب أمام القارئ؟ لماذا هذا الاسم؟
السيد أحمد سيد: في مشهد مفاجئ يجد قائد الحامية الفرنسية نفسه أمام كائن غريب.. لم يكن ذلك المشهد سوى بداية لسلسلة من الهجمات المباغتة على الفرنسيين وأتباعهم. ولم يكن ذلك الكائن إلا فتى غامضا يتدثر بجلد ذيب.
من هنا جاء اسم الرواية، وهكذا يمكنني وضعها أمام القارئ. لكنّ الخيوط تتشابك، وتسير الرواية في مسارات متعددة، ليجد القارئ نفسه أمام مجموعة من القضايا والأحداث المتشابكة، وأبرزها قضية الفتى الذي يتوارى خلف دثار من المجد يتمثل في جلد حيوان مفترس، وهو معرض في الوقت نفسه لشتى أنواع الاحتقار الذي تتوارثه فئته الاجتماعية، حين يكشف عن وجهه وشخصيته الحقيقية.
في هذا الخضم المتناقض، تجري أحداث الرواية، ويعيش بطلها مستمتعا بما يُحاك حول شخصية الذيب من القصص وما يروى عن بطولاته وأمجاده، غير عابئ بتصنيف المجتمع له، فقضيته أكبر من الانشغال بتفاهاتٍ وأساطيرَ مختلقة.. وقد نذر نفسه لطلب العلم والفروسية والجهاد.. ومشاعره مقسمة بين قضيتين:
الحب:
فهو على مكانته المرموقة بين أنظاره وما فرضه بشخصيته وقوته ومعرفته بشتى العلوم والفنون التي كانت متاحة لأضرابه في ذلك الزمن وتلك البيئة، ومع إدراكه لطبيعة التركيبة الاجتماعية التي تحفر الخنادق وتهدم جسور التقارب بين فئات المجتمع، فقد استبدّ الحب بشغافه، ولم يواجه في حياته عدوا أكثر ضراوة من هذا الكائن الخفي الذي تهوي أمام معاوله أعتى القلاع. ومع ذلك ظل عفيفا محافظا على احترامه لذاته وكرامته، إلى أن سقط شهيدا برصاص من كان يدافع عنهم ويخاطر بنفسه لحفظ أمنهم.
الثأر:
كان الذيب قد أنهى لتوّه مهمة خطيرة حين بلغه نبأ اغتيال معلمته.. تلك السيدة التي ترمز لمكانة المرأة في المجتمع الموريتاني، وما تؤديه من دور محوري في تربية الأجيال وتعليمهم. تلك السيدة الفاضلة التي أثارت حفيظة القبيلة حين لم تفرق بين طلاب العلم على أساس العرق أو اللون، فعاشت كالمنبوذة في طرف القرية لا يزورها زائر ولا يذكرها ذاكر، إلى أن وضعها القدر في طريق الذيب، فظل ينهل من معين علمها الذي لا ينضب، وكان خير رفيق لها في رحلة العمر المليئة بالمصاعب والمطبّات. وفي الوقت الذي اخترق نبأ استشهادها قلب الذيب قبل أن يخترق مسامعه، دنا أجل المجرمين الذين تلطخت أياديهم بدمها، ولم يكن يفصلهم عن الهلاك أكثر من المسافة التي تفصلهم عن الذيب.
الشعب: من أين جاءت فكرة هذه الرواية وهل تستند إلى قصة حقيقية وما هي الرسالة التي تسعى لإيصالها؟
السيد أحمد ولد سيد: رواية الذيب كتبت في ذهني واكتملت معالمها الرئيسية قبل أن أبدأ بتحويلها إلى مستوى النص المدون.. فمنذ ما يزيد على خمس سنوات وأنا أفكر في هذه الرواية وأؤجل البدء في كتابتها، ولكن ربّ ضارة نافعة.. فحين ألقت جائحة كورونا بظلالها على كل مناحي الحياة، فأغلقت المطارات، وفرضت قيود كثيرة على الحركة والتنقل وكان الضجر سيد الموقف، جلست أمام شاشة الكمبيوتر وفتحت ملفا على برنامج "وورد" أسميته "الرواية" -إذ لم أكن حينها قد أعطيها اسما محددا- وكانت تلك أول خطوة في طريق طويل من البحث، والقراءة، والكتابة، والحذف، والتعديل، والإضافة.
الرواية لا تستند إلى قصة واقعية، ولكنها تسير بمحاذاة الواقع، أو لنقل هي الواقع نفسه، هي رواية تصوّر الواقع بكل أبعاده وتجلياته، بكل سلبياته وإيجابياته ،لهذا سيحس القارئ المطلع على ثقافة البلد، أنه لا يقرأ هذه الرواية بل يعيشها. هي رواية كل واحد منا، وهي قصتنا جميعا.
ومع ذلك فثمة خطوط التقاء صغيرة بين المتخيل والواقعي، وهناك احتفاء بعلمين من أعلام البلد، الأول هو المجاهد البطل بكار ولد اسويد أحمد رحمه الله، والثاني هو رافع اسم شنقيط في كل البلاد التي حلّ بها، العالم الجليل، محمد محمود ولد التلاميد رحمه الله.
فيما يخص الرسالة التي تسعى الرواية لإيصالها.. أعتقد أنه هناك عدة رسائل، إذ تعطي الرواية صورة إيجابية عن ثقافة البلد وعن حياة المجتمع، وتعرف القارئ العربي بهذا البلد القصي، الذي يجهل الكثير عنه، بل يجهله كليا في بعض الأحيان.. هذا من جانب، ومن جانب آخر هناك أيضا نقد لكل ما هو سلبي في هذا المجتمع الذي يصنف الفرد قبل ولادته، ولا يتيح له فرصة الخروج من ذلك التصنيف مهما اكتسب من معارف، ومهما تراكم لديه من أمجاد.. هو فلان ابن فلان الذي ينتمي للفئة الفلانية، وذلك مكانه الذي خُصص له، ويجب أن يبقى في ذلك المكان إلى أن يموت، وسيبقى أولاده وأحفاده في المكان عينه، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
هذا الإشكال الاجتماعي هو أحد القضايا البارزة في الرواية.. وتعالجه من زوايا عدة.. زاوية الحب مقابل الطبقية، وزاوية المقاومة مقابل دعم المستعمر والعمل لصالحه، وزاوية طلب العلم واحتكاره، وزاوية النهب والحروب العدمية بين القبائل.. وتقدم الرواية بموازاة هذه المواضيع مشاهد وصورا من وصف الحياة والبيئة والمناخ، ونمط العيش والمأكل والمسكن، إضافة إلى كرم المجتمع وكرامته، ودور المرأة فيه، ومعجزة المحظرة، تلك الجامعة المتنقلة التي لا مثيل لها في أي مكان آخر.
الشعب : ماذا عن جائزة الشارقة وأهميتها وما المميزات التي خولت للرواية الفوز بهذه الجائزة؟
السيد احمد ولد سيد: جائزة الشارقة واحدة من أعرق الجوائز الأدبية في العالم العربي.. هي جائزة بدأت قبل 26 عاما، وكثير من الكتاب الكبار الذين يشار إليهم بالبنان الآن في عالم الأدب العربي، مروا ذات يوم بهذه الجائزة.. كانت جائزة الشارقة وما تزال قبلة لكل المبدعين الشباب، وأسهمت في بروز أسماء لامعة جدا في مختلف فروعها، سواء تعلق الأمر بالرواية أو القصة أو النقد أو الشعر.. وهي إضافة إلى ذلك جائزة لا يمكن الطعن في نتائجها بحجة أن الجمهور أسهم بتصويته في زيادة حظوظ كاتب معين على حساب الآخرين. لهذا قررت المشاركة، وأرسلت مخطوط الرواية للقائمين على هذه الجائزة دون تردد، رغم أني لم أزر الشارقة أبدا، ولا أعرف أحدا في دائرة الثقافة.. هو مجرد بحث سريع على الإنترنت عن أهم الجوائز المتاحة لكتاب الرواية، وعن مواعيد استقبال الأعمال المشاركة، ثم جهزت الملف المطلوب وأرسلته عن طريق الموقع الالكتروني للجائزة
وفيما يخص المميزات التي أسهمت في فوز الرواية بالجائزة، أخشى أن لا أملك جوابا على هذا الجزء من السؤال، فالإبداع موهبة والنقد تخصص كما يقال.. لذا فإنني أقر بجهلي للمعايير التي أوصلت الرواية إلى منصة التتويج.. فأنا لست ناقدا، ولا أدعي ذلك، كل ما أعرفه أن الكاتب كان يتجرد من ذاته تماما حين يضع يديه على لوحة المفاتيح، كان يكتب بصدق وأمانة، دون الانحياز لأي طرف، ودون محاباة لأي فئة، ودون خوف، لذلك تجده ينتقد بجرأة غير معهودة، يصف الواقع كما هو، ولا يحسب حسابا لأي موقف أو انطباع محتمل.. كان يطبع الحروف بقلبه لا بأصابعه، وقديم نقل الجاحظ عن عامر بن عبد القيس قوله: إن الكلمة إذا خرجت من القلب لامست القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان. وهذا قد يكون أحد العوامل.
الشعب: ما الذي سيضيفه هذا العمل الادبي و هذا الانجاز الى الساحة الادبية و الابداعية الوطنية ؟
السيد أحمد ولد سيد: أرجو أن تمثل رواية الذيب إضافة للساحة الثقافية.. ولست متأكدا بالضبط من نوع الإضافة الذي ستمثله، لكنها بلا ريب سلطت الضوء على مشكلة كبيرة، ومأساة حقيقة، مأساة عانى وما زال يعاني منها كثير من أبناء هذا البلد البررة.. وأتمنى أن يكون هذا العمل بداية لرفع الظلم عنهم، وأن يعيد إليهم شيئا من أمجادهم المسروقة، وحقوقهم المغتصبة.
هذه الرواية لم تكتب ليشغل بها قارئ ما أوقاتا كان سيلتهمها الفراغ، لم تكتب لمجرد الترفيه وإشباع نهم القراءة، هي عمل نضالي، بقدر ما هي عمل أدبي، وهي قبل كل هذا وبعده سعي لإنصاف إخوة الإسلام والوطن، إخوة الدين والدنيا، أولئك الأبطال الذين ضحوا بكل نفيس في سبيل تحرير الوطن، وساهموا بجهود عظيمة في حصوله على استقلاله، ورووا الأرض بالدم والعرق، قبل أن يسقطوا من التاريخ سهوا أو عمدا بسبب انتمائهم لفئة تأتي في أسفل سلم المجتمع.
/// إطار///
الكاتب في سطور:
أحمد سيدي شاعر وروائي موريتاني.. من مواليد المملكة العربية السعودية.
صدر له ديوان شعر حساني تحت عنوان "تيفلواتن" عن دار الإسراء للنشر والتوزيع.
- يعمل بشبكة الجزيرة الإعلامية وهو مدرب معتمد في مجال الكتابة لمنصات الاعلام الرقمي.
وقد عمل بعدة مؤسسات إعلامية معروفة منها وكالة الانباء القطرية وشبكة مرسال قطر.
- حصل على درجة الماجستير في علوم الاتصال، وهو باحث دكتوراه في نفس المجال.
/// إطار///
جائزة الشارقة للإبداع العربي
جائزة عربية تأسست في إمارة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، وتنعقد في عدد من الدول العربية، وقد نظمت أول نشخة منها سنة 1996، وهي رصدت للشباب العرب حتى سن الأربعين، حيث تتوخى تسليط الضوء واكتشاف المواهب التي لم يكن لها إصدارات سابقة على الجائزة وفي ميادين أدبية ستة هي: القصة القصيرة والرواية والشعر وأدب الأطفال والمسرح والنقد، ويحصل كل فائز في المرتبة الأولى على 6 آلاف دولار، فيما يحصل الثاني على 4 آلاف دولار، ويحصل الثالث على 3 آلاف دولار، إضافة إلى طباعة المخطوط الفائز (طبعة أولى)؛ ليتم توزيعها وعرضها في معارض الكتب العربية التي تشارك بها دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، إضافة لدعوة الفائزين للمشاركة في ورشة عمل إبداعية تختتم بجولة على المعالم الثقافية والأكاديمية بمدينة الشارقة.

تعليقات
إرسال تعليق